منهج القرآن في الحياة
العظمةُ التي جاء بها القرآن الكريم لا تقتصر على الاعتقادِ الصحيح وتوحيد الخالق جلَّ جلالُه فقط، بل عظمتهُ تجاوزت آفاق الحياة التي لا حدَّ لها، بما يترتَّب على التَّوحيد من صياغةِ الشخصيةِ الإنسانية، بتقويمِ سُلوكها وتصحيح معاملاتها. فالقرآن الكريم منهج ودستور حياة يضبطُ اعوجاج الإنسان، بمنحهِ فيضاً تِلوَ الآخر من الطهرِ والحبِ والجمالِ، وذلك بنظرتهِ الشموليَّة، وقواعدهِ الكليَّة التي تصلح لكلِّ زمانٍ ومكان. ومن هنا، سَنُبحر سويًا إن شاء الله بسلسلةٍ متواضعة (آية ومنهج حياة) التي أعْتبِرها قبسٌ صغيرٌ شَعَّ نورها من وهجِ القرآن، وهو بالواقع ليس تفسيرًا ولا محاولة للتفسير؛ إذ لتفسير رجاله من العلماء الأفاضل، لكنها مجرد خواطر أخُطها بما فتح الله بها عليَّ؛ لعلها تُلامس الواقع؛ لنصلَ بها معًا لما هو خيرٌ في الدنيا والآخرة. "وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ" تلك المساحةُ الروحيةُ التي تتولد شيئًا فشيئًا من زفَراتِ الحياة الباردة، التي تَغورُ على مفاصلِ الفرد الإنساني؛ فَتَشلَ كل جزء من جسده وتزلزل كيانه؛ فيصبحَ عاجزًا أمامَ ما يريد وما كان ليكون، فيصبحَ يبحث عن ذلك المخرج أو تلك الثقوب داخل قسماتِ أخاديد الحياة، ليعيدَ صياغة لحظة خروج.. حتى لو كانت تلُفّها العشوائية المطلقة، فهنا تطغى فوض العجز؛ فتضيق الأرض وتُصفد الأبواب، وتُسد الطرق، ويتلاشى الأمل، ويتضاءل النور، ويفرد الظلام جناحيه، ويفقد الجمال جماله، فلا لذَّة تبقى ولا راحة تغمرنا، فتتحول البسمة إلى دمعة والسعادة إلى ألم. نعم، هذه هي الحياة، فلا بدَّ أن تُغلق عليك الدروب يومًا ما، فترى كل الأبواب التي أمامك مُوصده. قد يكون هناك بابٌ واحدٌ مفتوح على مصراعيه، لكن هذا الباب لا يُرضي الله –عز وجل- فتصاب بتلك الزَّفَرات، التي هي ليس إلا اختبار صعبٌ جدًا.. ينبغي أن تنجحَ فيه. وهنا يتجلى قول الله تعالى: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ). يقول د. محمد راتب النابلسي في هذه الآية: "والله لو لم يكن في القرآن الكريم إلا هذه الآية لكَفَت"
| Langue: Arabe |