لهذا السبب أقفز
هذا الكتاب عبورٌ إلى عالم التوحّد الغامض، تفكيكٌ لألغازه، جولةٌ في ممرّاته، سبرٌ لدواخله التي يكشفها لنا هيغاشيدا، مُضيئًا بصدقٍ وشفافية وبصيرة على أكثرالتساؤلات المطروحة حول المتوحّدين. المختصر: أفضل طريق لمعرفة مشاعر أحد هي عندما يتحدثون إليك، وهذا ما حدث في هذا الكتاب لأول مرة. من أكثر الكتب التي شدتني إنسانياً وعاطفياً وفضولياً التفاصيل: لقد اكتشفنا شعب! معزول عنّا لكنهم يتابعونا ويعرفون أخبارنا. أحد أفراد هذا الشعب استطاع كسر الحصار المفروض عليهم وأخبرنا بروايتهم. من منا لايريد أن يعرف قصة هذا الشعب المعزول!!ا هذا الشعب ليس من نسل واحد ولا من أرض واحدة، لكن اجتمعت فيهم صفة واحدة وهي أنهم حبيسوا أجسادهم، فقررنا أن نعطيهم صفة موحّدة وأسميناهم مرضى التوحّد اسم الكتاب حرفياً "سبب قفزي"، وهو جوابه على السؤال الخامس والعشرين في الكتاب "لماذا تقفز كثيراً؟" وكتبت جزء من جوابه في هذه المراجعة المشكلة الأساسية في التوحد هي صعوبة التواصل مع الآخرين، مما جعلنا نحلل شخصياتهم من الخارج بمراقبة تصرفاتهم وردود أفعالهم، فبُنيت الآراء حول التوحّد عبر المشاهدة والملاحظة والتحليل من الخارج ستجد كتب تتكلم عن التوحد خطّها طبيب فتكون عن عمل الدماغ وغيره، أو خطّها أحد رعاة المصابين بالتوحّد فتجد فيها العاطفة والمشاهدات والانطباعات الشخصية. لكن هذه المرة، استطاع فتى ياباني يدعى "ناوكي هيچاشيدا" عمره 13 سنة أن يروي لنا من داخل جسده مالم يعرفه أحد من قبل أكبر أسطورة حول أفراد التوحّد هي أنهم لايتفاعلون عاطفياً مع من حولهم، ولايتأثرون عاطفياً بالأحداث من حولهم. أكثر ما ردده هذا الفتى الياباني النبيل و وصفه بأنه أكبر ألم يمر عليهم هو معرفتهم بمدى مضايقتهم لأهلهم ولمن يرعاهم، لكنهم لايستطيعون التعبير عن ذلك. الكتاب جاء على شكل سؤال وجواب لأكثر الأمور إثارة للحيرة عند الناس تجاه أفراد التوحّد، وكان الفتى "ناوكي" مرهف الحس، شديد التأثر عاطفياً بما حوله. كثيراً ما تحتوي أجوبته على وضع نفسه محل الآخرين "قد تقول أننا هكذا بسبب هذا التصرف لكن الواقع...الخ"، وهذا سلوك عاطفي ناضج لانجده عند بعض الأصحاء. بل وذهب إلى أكثر من ذلك فروى لنا قصص يحيكها من نسج خياله ليوصل لنا شعور معيّن، وكانت رواياته جاذبه رائعة عاطفية، وهذه القدرة على ربط المتلقّي عاطفياً ببطل الرواية وإضافة الترقّب والفرح والألم دليل قاطع على أن أفراد التوحّد أصحاء تماماً من ناحية النضج العقلي والعاطفي، لكن عدم سيطرتهم على قنوات التعبير والإحساس جعلتهم حبيسي هذه الأجساد التي لايسيطرون عليها تماماً كان "ناوكي" يردد دوماً "لاتتخلوا عنا، لاتتركونا" ويحاول دوماً أن يوضّح أن بعض التصرفات التي يراها الناس تعكس برود وجفاء عاطفي عند أفراد التوحد هي في الواقع إما خارج سيطرتهم أو لها مسببات تختلف تماماً عمّا يتوقعه الآخر. فأحياناً عزلتهم يكون دافعها تألمهم من ضيقكم أو انزعاجكم من التعامل معهم. قد يكون أنك تسألهم وفيما هم يبحثون عن الإجابة في ذاكرتهم توجه لهم سؤال آخر، ثم ينسون السؤال الأول، فتضيق أنفسهم بسبب اليأس من التواصل بهذه الطريقة عادة نتكلم عن المصابين بداء معين كأنهم فرد واحد، المصابين بمتلازمة داون، بانفصام الشخصية..الخ. لكن نضج "ناوكي هيچاشيدا" نبّهني إلى هذا الأمر وجعلني أرى أفراد التوحّد أشخاص عاديين تختلف شخصياتهم، فشخصيته قد تختلف عن غيره، لكن بينه وبين باقي أفراد التوحد تشابه كبير في التصرفات بسبب وضعهم الموحّد، وهو أنهم حبيسي أجسادهم الكتاب ليس مجرد اكتشاف شعب مغيّب عنّا منذ بداية ظهور التوحّد، بل يدعونا للتأمل كثيراً في نواحي عدة إنسانية وعاطفية. من النقاط المذكورة في الكتاب على لسان "ناوكي"(بتصرف):ا لاننظر إلى من يتحدث إلينا لأنها تبعث بشعور غير مريح، لكننا ننظر لكلامه، نركز على مايقول، رغم أن ردة فعلنا تتأخر، وقد تخرج ردة الفعل غير ما أردنا، لأننا لانملك سيطرة مذهلة على أجسامنا مثلكم - أذهاننا تركز على كل شيء من حولنا لذلك نغرق في سيل من المعلومات والتفاصيل والأصوات المهمة والسخيفة. - ذاكرتنا ليست متسلسلة زمنياً مثلكم، وننسى بسرعة مانسمعه أو نريد أن نقوله. لذلك عندما تكرر "ألم أقل لك لاتفعل ذلك" أتذكر أنك قلتها لي عندما تكررها لكن لاتحضرني لحظة فعلي الذي يزعجك وكما تتذكرون ذكرياتكم بسلاسة، تأتينا الذكريات بالشعور المصاحب لها حينها بكل وضوح، لذلك قد نضحك فجأة أو نفزع فجأة.. وأكثر مايأتيني فجأة هي الذكريات المفزعة لذلك، عندما نستغرق في نوبة بكاء، في مكان لانؤذي فيه أحد ببكاءنا، فدعونا نبكي.. سيذهب الشعور وتستقر نفسيتنا بعدها,, فهي ذكريات عابرة - يدهشنا سرعة استحضاركم للكلام. لست متأكد من سبب تكرارنا للسؤال الذي يطرح علينا، لكن جزء من السبب هو أننا وقتها نبحث في الذاكرة عن شيء مألوف متعلق بالسؤال ليكون إجابته. أحياناً تقول المعلمة سنذهب إلى الحديقة، وتريد فتاة توحد أن تسأل متى، لكن لم يحالفها الحظ في التعبير فتقول بصوت عالي "نذهب إلى الحديقة".. لم تملك أن تسأل باستخدام الكلمات التي تريدها التعبير بالصوت ليس طريقة التعبير الوحيدة. ها أنذا أتحاور معك عبر لوحة المفاتيح البسيطة التي لاتشتت انتباهي كثيراً، أشير لكل حرف حتى يصلك الجواب الكامل - شخصياً لاأمانع أن أمسك بيدك، لكني حين أفلِتُها بسرعة فأنا لم أدرك ذلك، وأنت ستفكر حينها وتقول أني لاأريد أن تمسك يدي، وهذا غير صحيح لكني لم أتنبّه أنني تركت يدك أما من ناحية نفورنا من أن يمسك الناس أجسامنا فسببه هو عدم سيطرتنا تماماً عليها، فعندما يمسكها غيرنا نشعر أنه سيمتلكها أو يكشف عن كل مابداخلنا، وهذا شيء مفزع! ..أليس كذلك؟ - لانجد السخرية من الناس وتصرفاتهم مضحك كما تجدونه كذلك. في المقابل نسعد ونضحك عندما تمر علينا أو نرى ذكريات جميلة أو أشياء مألوفة - نحب الأرقام لأنها لاتتغير. رقم واحد سيظل واحد إلى الأبد. بسبب ذاكرتنا الغيرمتسلسلة نميل إلى أن نبقى مع ما نألفه.. ونظل نتعلم ونألف المزيد. - أكره أن يعاملني الناس بلغة الطفل. عاملونا بأعمارنا العادية، فنحن نفهم ماتقولون وننمو ونتعلم. تعاملكم الدائم معنا بلغة طفولية يقتل الأمل داخلنا بأن تكون حياتنا طبيعية نشارككم فيها ونساهم فيها مثلكم. بل نشعر...أنكم تتجاهلون عشرتنا ونمّونا معكم - عندما أقف أشعر أني سأختفي من الوجود، لذلك أرتاح أكثر مع الحركة الدائمة. وأجمل شعور هو عندما أقفز، وتطفو أعضائي في الهواء. قد تجده شيء بسيط لكننا نستمتع بالقفز كثيراً. لدينا ميزة ليست عندكم وهي تذوق زوايا جميلة في الحياة لاتأبهون بها - عندما تأتي إضاءة إلى عيني أشعر أنها تخترق دماغي، مؤلمة! لذلك ألوّح بيدي أمام عينيّ فيكون الشعور مريح حينها - أكثر ألم نواجهه بسبب التوحّد هو معرفتنا بمقدار الإزعاج والمضايقة التي نسببها لأهلنا... أكره نفسي عندما أجد أثر فوضى أحدثتها بدون قصد. لكن أرجوكم، لاتيأسوا منها ولاتتركونا - نقاشي معك ليس بالأمر السهل بالنسبة لي أبداً، لكني أريد أن يعلم الناس أننا ندرك الحياة كما هي، كما ندرك مقدار تحملهم لنا وإن فشلنا في إيصال ذلك لهم - أتمنى أن يكون أحد أصدقاءك ممن لديه توحّد... أتمنى لو كان التوحد مجرد نمط