قراءات من أجل النسيان
منذ السطور الأولى يبدو عبد السلام بنعبد العالي أنه يريد الكشف عن مراده من تأليف كتاب “قراءات من أجل النسيان”، ولكن سرعان ما يكتشف القارئ أن ما اعتقده كشفاً ليس سوى حجب لذاك المراد. فنحن أمام كتاب يحول النسيان إلى عملية لإنتاج المعرفة: … “في قصَّة «فونيس أو الذاكرة»، يروي بورخيس حكاية شابٍّ فَقَدَ القدرة على النسيان. فعلى إثر سقوطه عن حصان غير مروَّض، لم يُصَبْ أرينيو فونيس بفقدان الذاكرة، وإنما بفقدان النسيان. ثم تدفعه المكابرة ليتظاهر بأن السقطة ليست فجيعة وإنما نعمة النعم: «قبل ذلك المساء المُمطِر، حيث ألقاني الجوادُ الأدهمُ من على صهوته، كنتُ مثل بقية البشر، فاقدَ البصيرة، أصمَّ بليداً، كنتُ شديدَ النسيان». فصار فونيس يَنظرُ إلى الأعوام التسعة عشر التي قضاها قبل الحادث على أنها سنوات ظلام: «كنتُ أنظر من غير أن أرى، وأسمع من غير أن أفهم، كنتُ أكاد أنسى كلَّ شيء». حين سقط من على الحصان «فَقَدَ وعيه، وعندما أفاق، كان الحاضر ثريَّاً جدَّاً، وناصعاً لحَدٍّ لا يُطاق، وكذلك كانت أقدم ذكرياته وحتَّى أقلّها شأناً».”… وفي هذا الجو، سيضعنا بنعبد العالي أمام أسئلة كثيرة تتعلق بعملية القراءة نفسها، بعلاقتنا مع ما نقرأ، وما هي القراءات التي ننساها أو نتناساها أو نتمنى نسيانها. ولكن هل فعلاً لدينا قدرة على النسيان؟