الحداثة المنقوصة
رام الكاتب من خلال هذا العمل بيان كيف أن انهيار دولة الخلافة الراشدة وانتقال الحكم من الحجاز إلى الشام، كان انتقالا وتحولا جذريا في مرجعية القيم المعتمدة في تدبير السلطة، من قيم دينية أخلاقية وسياسية قائمة على أساس الشورى والاختيار والبيعة بالرضى.. التي أضحت أسس ومعايير واجبة في الشرعية السياسية لسلطة الحكم، إلى قيم سياسية وأخلاقية أخرى قائمة على أساس السّطو على السلطة السياسية، وغصبها بالقوة والإكراه، فكان أن أفضى ذلك إلى أزمة للشرعية السياسية تولد عنها انفجار غضب سياسي واجتماعي، وظهور ثورات مسلحة عديدة حمل لواءها بعض الصحابة أنفسهم، بغرض استعادة الشرعية السياسية المستلبة. وأمام تجذر أزمة الشرعية السياسية هذه التي استمرت لقرون ثلاثة، ومعها فشل جميع الثورات المسلحة، انبرى مؤسسو المذهب السني الأشعري إلى وضع نظرية سياسية هي خلاصة شرائط أو شروط معينة يتعين استيفاؤها للمزمع عقد البيعة له بالخلافة الشرعية، وهي شروط اعتمدوا فيها على قياس الغائب (الخلافة الراشدة) على الشاهد (نمط الحكم السياسي القائم يومئذ). غير أنه ولأسباب سياسية، ذاتية وموضوعية، عمد متأخرو المذهب إلى مراجعة جملة تلك الشروط التي تواضع المؤسسون على إنزالها منزلة المعايير المحددة لشرعية سلطة الخليفة أو الحاكم. وقد انتهى متأخرو المذهب في هذا الشق السياسي إلى ما أسماه المؤلف بالردة السياسية، أي التخلي والتراجع وإسقاط كل شروط الشرعية السياسية الموضوعة من قبل المؤسسين الأوائل من أهل السنة في تولية الحكم، ليتم الإبقاء على شرط واحد منها فقط، هو شرط الطاعة المطلقة الملزمة للمحكومين تجاه الحاكم. وقد تكرس هذا الخط لاحقا، بشكل أوسع وأعمق، مع الخطاب السلطاني الذي متح من مرجعية الموروث السياسي الفارسي. ليخلص الكاتب إلى أن شرط الطاعة المطلقة للحاكم هو الشرط اليتيم الذي انتهى إليه، واختُزل فيه جماع الشق السياسي للمذهب السني الأشعري الذي تم ترسيمه في جل دول العالم العربي الإسلامي. فصار خيار الطاعة المطلقة لنظم الضرورة، والتعايش السلمي معها، والخلط بين الطاعة الدينية والطاعة السياسية، هو الخيار الذي كرسه «فقه الضرورات» بأبواب مدونات فقهنا السياسي، الذي شرعن، تاريخيا، لأنماط من الحكم السياسي غير الشرعية. ولعل هذا ما طرح ويطرح، إلي اليوم، على أنظمة العصر ببلداننا العربية الإسلامية سؤال الشرعية: تقليدية كانت أو حداثية، فلا تقليدية تم الإبقاء عليها، ولا حداثية تم ترسيمها الفعلي والحقيقي.