علم الإجتماع التربوي المعاصر
الإنسان، والمجتمع، والثقافة، والتربية مكونات متداخلة متكاملة لا وجود لأحدها بدون الآخر، وكل منها سبب ونتيجة لوجود الآخر، ونمو كل منها وناتجه يمثل مدخلاً أساسياً للآخر؛ كي يقوم بوظيفته تجاه الآخر، وهكذا في عمليات ديناميكية مستمرة تدوم ـ بالضرورة ـ بدوام وجودها، ولا يمكن فهم أحدهما إلا بتفسير الآخر، وما يقوم بينها من علاقات متبادلة أخذاً وعطاء، إيجاباً وسلباً. فمن مجموعة الأفراد الإنسانيين يتشكل المجتمع، ومن تجمع هؤلاء الأفراد أو البشر، فإنهم يدخلون في علاقات من أجل إشباع حاجاتهم المادية والروحية. ومن تفاعل هؤلاء البشر فيما بينهم، وبينهم وبين البيئة الطبيعية؛ تنشأ الثقافة. وكون الثقافة لا ترى إلا في عقول أعضاء المجتمع، وفي سلوكياتهم وفي علاقاتهم بين بعضهم البعض، فإن أعضاء المجتمع هم حملة الثقافة التي تستمد جميع صفاتها من شخصيات أعضاء المجتمع، ومن تفاعل تلك الشخصيات، وبالتالي لا مجتمع بدون ثقافة، والعكس صحيح. غير أن تكون شخصيات أبناء المجتمع، وتكون هذا المجتمع، وتكون الثقافة في هذا المجتمع مرهون أو مشروط بالتربية بكل أشكالها. فمن تجمع أبناء المجتمع تنشأ التربية بالضرورة؛ لضبط عمليات التفاعل الاجتماعي وتنظيمها بينهم؛ لنقل أعضاء المجتمع من كائنات بيولوجية إلى شخصيات إنسانية مندمجة مع الجماعة والمجتمع؛ وعلى ذلك فالتربية أساس وجود الإنسان وقيام المجتمع. ومن تنظيم التربية وتوجيهها لعمليات التفاعل بين أعضاء المجتمع، تنشأ ثقافة المجتمع وتنمو وتتطور، ثم تنظم التربية تفاعل أعضاء هذا المجتمع مع المجتمعات والثقافات الأخرى؛ لتجديد الثقافة وتعزيز عناصر تغيرها، بمعنى أن التربية تستمد وجودها من الثقافة؛ كي تعيد إنتاجها باعتبارها (أي التربية) أداتها؛ للحفاظ عليها وتجديدها من خلال أعضاء المجتمع؛ وبذلك فالعلاقة عضوية بين التربية، والثقافة، والإنسان، ومن ثم فالثقافة لا توجد ولا تنمو إلا بوجود مجموعة من البشر، ثم تعود الثقافة لتشكلهم. وحيث إن الثقافة لا توجد إلا في عقول البشر، وفي سلوكياتهم، فإن التربية أداة تشكيل طبيعة الكائن البشري؛ لإدماجه في ثقافة مجتمعه، وأداة الحفاظ على الثقافة وتجديدها من خلال تفاعل أعضاء المجتمع، وهكذا دواليك.
| Langue: Arabe |