عوالم ابن تيمية
يسعى كتابي الجديد لبرهنة أن ابن تيمية عوالِم وليس عالَماً واحداً؛ عوالم دائرية متداخلة. وهذه العوالم توالدت وتكاثرت وتفرعت وتطورت مع مراحل حياته؛ إذ لم يبقَ ذلك الحنبلي الشاب المتحمس الذي يحلق رأس الشاب طويل الشعر في الشارع ويُسوّد نونة الوسيم لكيلا تفتتن به النساء كما كانت تفعل الشُّرط الدينية، بل تطور قليلاً فأصبح شيخ المذهب وهو في السنة الواحدة والعشرين من عمره. ثم تطور، ككل شيء يتطور، وكل مفكِّر يتطور بسبب القراءة وتجارب الحياة المحسوسة والأخرى العقلية. وقد رأى المعاصرون له كيف أن وجه ذلك الحنبلي الشاب بدأت تتغير قسماته عندما دخل في عالم الفلسفة وبحره الخِضم، حين انتقل من بساطة الحنبلي الذي تبدو أمامه كل القضايا محسومة؛ بحيث يكتفي بما ورد في الآثار ولا يقول كيف، إلى المتكلم الفيلسوف الذي يحاول جاهداً أن يخرج بصورة نهائية عن الوجود بمعنييه الأعم والأخص. إن عوالم ابن تيمية عوالم غريبة للغاية عن بعضها ولا يجمعها جامع. على اليمين صورة المفتي الذي يشارك في تنفيذ أحكام الإعدام دون أدنى ذكر لاستتابة عاثر الحظ، وعلى اليسار ثمة صورة للصوفي الذي يناقش أعمال القلوب ويصف وحدة الشهود والفناء عن شهود السِوى، ويوافق الصوفية في الربط بين فكرة رؤية الله في الآخرة والمحبة الإلهية. وهو مَن تبنَّى هو وتلميذه ابن القيم نوعاً من أنواع وحدة الوجود، وإن سمَّياها “وحدة الشهود”، وهو وتلميذه من الأقلية القليلة التي قالت بفناء النار وانتهاء العذاب. وثمة صورة ثالثة للفقيه الذي يناقش أحكام الطهارة، ورابعة للمتكلم الذي رد على كل الفرق المعاصرة له والسابقة، وخامسة للفيلسوف الذي يرفض بإصرار غريب فكرة الخلق من عدم ويقول بحوادث لا أول لها. سندرس كل هذا بشيء من التفصيل؛ لكن كان لا بد أن نطل إطلالة سريعة على كل ما سنمر به ونبرهن عليه.